الشيخ عبد الغني النابلسي

470

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

قال تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم : 93 ] لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) [ مريم : 94 - 95 ] فإن الإله الحق المطلق بالإطلاق الحقيقي لا يسعه شيء أصلا ، فإن الأشياء كلها بالنسبة إليه عدم صرف وهو الوجود الحق الحقيقي لأنه ، أي الإله المطلق عين الأشياء كلها المحسوسة المعقولة والموهومة من حيث التجلي والانكشاف بالوجود الحق المطلق ، لا من حيث الصور الممكنة العدمية الظاهرة بذلك التجلي الإلهي والانكشاف الرباني وهو أيضا تعالى من تلك الحيثية المذكورة عين نفسه ، أي ذاته والشيء لا يقال فيه ، أي في حقه أنه يسع نفسه إذ لا مغايرة بينه وبين نفسه ولا يقال فيه أيضا أنه لا يسعها ، أي نفسه لأن النفي مرتب على الإثبات ، فإذا لم يمكن الإثبات في أمر فلا معنى لاعتبار النفي فيه حينئذ . فافهم يا أيها السالك جميع ما ذكرناه لك في هذا الكتاب مفصلا ومجملا واللّه سبحانه يقول الحق بلسان عبده المؤمن وهو تعالى الذي يَهْدِي السَّبِيلَ ، أي الطريق المستقيم والدين المحمدي القويم لا هادي سواه ولا إله إلا اللّه . وقال شارحه سامحه اللّه تعالى : وهذا آخر ما يسره اللّه تعالى لنا من الشرح على كتاب فصوص الحكم ، الذي ناوله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي رضي اللّه عنه في منامه المشتمل على رؤيا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحق الصدق ، الذي من رآه في منامه فقد رآه حقا كما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الشريف . وقال له : « اخرج به إلى الناس ينتفعون به » . فخرج به رضي اللّه عنه في بلادنا هذه دمشق الشام المحروسة إن شاء اللّه تعالى من كل سوء على مدى الأيام ، وانتفع الناس به كما قال صلى اللّه عليه وسلم ، وما تضرر به إلا من غلبت عليه الحيوانية ، وضعفت إنسانيته فليس من الناس إلا في الصورة دون المعنى » . وقد سبق بيان هذه الرؤيا المبشرة في أوّل هذا الكتاب تلطيف ذلك الكلام المستطاب ، واللّه تعالى قد تفضل الآن بإتمام شرحنا هذا الذي خدمنا به ألفاظ المتن بحسب فتوح الوقت من غير مراجعة شرح من شروحه أصلا من أوّله إلى آخره ، واتكلنا فيه على معونة اللّه تعالى لنا وحسن توفيقه . وقد كشفنا فيه عن العبارات المغلقة وحررنا ما يحتاج إليه في بيان ما أشكل من معانيه التي هي عند كثير من الناس مغلقة ، وكان هذا التحرير من أوّله إلى آخره في بلادنا هذه دمشق الشام ، التي كان تصنيف المتن فيها بمعونة الملك العلام . وقد فرغنا منه بعد صلاة الجمعة بالجامع الأموي نهار الجمعة الخامس والعشرين من شعبان المبارك من شهور سنة ست وتسعين بعد الألف . قال هذا مصنفه العبد الحقير والعاجز الفقير عبد الغني بن إسماعيل بن النابلسي